mardi 2 novembre 2010

Ben Badis , l'attaché à la France


« auditeurs n’avaient qu’un désir : jouir de tous les droits des autres enfants du drapeau tricolore, de même qu’ils en assumaient tous les devoirs. Nous les confirmons dans cet attachement (à la France) nous leur en montrions les avantages... nous leur faisions entendre, par des analogies, que la France généreuse ne pouvait que leur donner un jour, qui ne pouvait être éloigné, tous les droits dont jouissent les Français. » (Ech Chiheb, août 1932).

dimanche 31 octobre 2010

بن نبي ينتقد ابن باديس وفرحات عباس


بن نبي ينتقد ابن باديس وفرحات عباس


باشر مالك بن نبي في كتابة ''العفن'' في 1 مارس 1951 بمدينة بلوات، بعدما تعرّف القارئ على ''مذكرات شاهد القرن'' بجزأيها (الطفل) و(الطالب) قبل أن يضاف إليهما (الكاتب) و(الدفاتر) التي غطت مرحلة 1958 ـ ,1973 سنة رحيله. وصدر الجزء الأول منه (1932 ـ 1940) مؤخرا عن ''منشورات الأمة''
و ترجمه إلى العربية نور الدين خندودي. يتحدث بن نبي عن مسيرة شاقة وصعبة في حياته، مبررا عنوانه، بقوله: ''لقد رأيت النور في سنة 1905، أي في زمن خطا فيه المجتمع الجديد أولى خطواته، فأنا أنتمي إذن إلى الجيل السيئ الذي يختم طور التحلل الذي ألَمّ بالحضارة الإسلامية ويأذن لعصر جديد يختلط فيه نوعان من ''العفن'': الاستعمار والقابلية للاستعمار، ولكنه عصر تنبثق منه، هنا وهناك، مؤشرات وبواكير نظام جديد لا يزال الغموض يلفه''. ويصف بن نبي نفسه ''بالنحلة المتخمة''، في إشارة منه إلى عسل ليس مصدره رحيق الزهور و''لكن خلاصة ما يختلج في نفس أريد لها التحطيم عبر الإكراه الجسدي والسم المعنوي''، وكثيرا ما حملت جمل المفكر ما فعله ''ماسينيون'' في حياته.
يستعمل بن نبي كلمات مباشرة لا لفّ فيها ولا دوران، عندما يتحدث عن الأهالي من سكان الجزائر، ويقسمهم إلى نوعين، نوع (الخونة الواضحين) مثل الدكتور بن جلول ''وهو صنف يقتات من أموال الاستعمار ومن ازدراء الشعب''، أما الصنف الثاني فهم (الخونة المترفين) الذين يعيشون من أموال الشعب باستغلال جهله. وقد ركز الكاتب مذكراته على النوع الثاني من الأهالي. يحكي المفكر موقفه المزدري من الوفد الجزائري المشارك في المؤتمر الإسلامي في 1936 الذي يتقدمه بن جلول رفقة بن باديس والإبراهيمي والطيب العقبي ''أدركت من يومها أنه لا يرجى خير كثير من الأزهر والزيتونة وكلية الجزائر''.
كما لم يكن متفقا على المبادئ التي تأسس عليها تشكيل وفد الأنديجان وسفره، فعارض تسليم بن جلول رئاسة المؤتمر بيد أنه كان من المفروض أن تسلم إلى جماعة (العلماء): ''مهما يكن فقد كبّرت أربعا على (العلماء) وأقمت عليهم الحداد منذ سنة ,1936 واعتبرتهم أعجز من فهم فكرة ناهيك عن تصورها وتنفيذها''، يكتب صاحب ''وجهة العالم الإسلامي''، وهو في قمة تشاؤمه أمام عجز العلماء، على فهم فكرة التنديد بالاستعمار ورفض الانسياق وراء مواقف بن جلول، الموالية للمستعمر: ''لم يكن العلماء سوى مجموعة مسكينة من الخانعين الفاترين، من غير اقتدار يسمو بهم لمستوى الوضع، فقد كانوا يستظلون بعدالة الإله ويستكينون إليها لمواجهة الظلم الشرس الذي حاق بهم'' يضيف الكاتب. فهو يعتقد جازما، أن الحرب العالمية الثانية كانت رحمة على ''الأنديجان'' لأنها جنبتهم الاستمرار تحت إمرة بن جلول وجماعته. يعبر بن نبي عن تشاؤمه أمام إصرار الناس على عدم التفطن والتفتح على ضرورة التخلص من الخنوع. وبعد سلسلة من الضغوط الممارسة عليه وعلى صديقه بن ساعي، فضل بن نبي التوجه إلى المشرق، إلا أنه لم يكن سهلا عليه التخلص من رقابة ''ماسينيون'' التي حالت دون ذهابه إلى مصر، ونقرأ في الصفحة 129 اعترافه: ''أعتقد أنني لم أكن بعيدا جدا عن الردة عن الإسلام في تلكم الأيام''، جملة جاءت بعد أن اصطدم مالك بن نبي بحقيقة قبول المهندس اليهودي ورفضه هو المهندس المسلم، إلا أنه سرعان ما يعلق على كلامه بقوله: ''هذا الإسلام الذي خانه المسلمون والذي لم أر فيه أي روح أو مهب عقل. إني أسجل هذه النقطة لأن لها أهميتها فيما بعد''. ويرد المفكر غضبه إلى عدم وقوف المسلمين خواصا ورسميين معه في محنته، التي جعلته يقول: ''بأن قابلية الاستعمار عند الأهالي هي أهم وسيلة في متناول الاستعمار''. ينكشف لنا بن نبي رجلا محبطا ''مجنونا'' بفعل الخيبات المتتالية التي منعته وأصحابه من ممارسة دورهم كمثقفين وجزائريين يريدون فتح الباب على أفق غير خاضع، الكلمات تتدفق في المذكرة، مباشرة قاسية متمردة ومنتقدة لشخصيات كانت مازالت تؤمن بإمكانية الاندماج مع فرنسا: ''آه! كم أفهم الآن كيف أن هواة على شاكلة فرحات عباس لا يدركون مرامي الاستعمار الذي يتحدثون عنه. يجب أن يواجه المرء الوحش عن قرب وجها لوجه وأن يحس بقبضته الخانقة'' في إشارة منه لاحتكاكه المباشر مع فرنسا الاستعمارية على أرضها

اللغة العربية في الجزائر , "عقيلة حرة، ليس لها ضرّة"

Remarques : 
Ce texte ne comporte pas toute  la vérité sur les circonstances de la fondation de la chaine kabyle ni sur ses dirigeants.
Car la chaine  kabyle a été fondée en même temps que la chaine arabe, premier mensonge.   Ensuite,  les dirigeants de l'époque (de la chaine Kabyle) Chikh Noureddine et Arab Lhocine ( Si Lhocine), des nationalistes authentiques,  n'étaient pas des imbéciles . Ils connaissaient parfaitement la mentalité du colon. Par conséquent ils travaillaient en étroite collaboration avec la chaine d'expression arabe . Beaucoup de Kabyles faisaient des émissions dans la chaine d'expression arabe et vice versa . Et d'après Mouhammed Hilmi ( il a sortie ses mémoires où il a parlé de cette période ) ils y avaient même des actrices arabophones qui ont joué dans des pièces en Kabyle. Sans oublier le rôle de la radio Kabyle pendant la guerre de libération.


Mais les arabistes a côté de leur mépris des montagnards ( les vrais révolutionnaires ), ils croyaient toujours détenir la vérité.

 In Awal n°15, 1997, pp 88-89, où le présent article est traduit en français.

بقلم محمد البشير الإبراهيمي


اللغة العربية في القطر الجزائري ليست غريبة و لا دخيلة، بل هي في دارها، و بين حماتها و أنصارها، و هي ممتدة الجذور مع الماضي، مشتدة الأواخي مع الحاضر، طويلة الأفنان في المستقبل : ممتدة مع الماضي لأنها دخلت هذا الوطن مع الإسلام على ألسنة الفاتحين، ترحل برحيلهم و تقيم بإقامتهم. فلما أقام الإسلام بهذا الشمال الإفريقي إقامة الأبد و ضرب بجدرانه فيه أقامت معه العربية لا تريم و لا تبرح ما دام الإسلام مقيما لا يتزحزح، و من ذلك الحين بدأت تتغلغل في النفوس، و تنساغ في الألسنة و اللهوات، و تنساب بين الشفاه و الأفواه. يزيدها طيبا و عذوبة أن القرآن بها يتلى، و أن الصلوات بها تختم. فما مضى عليها جيل أو جيلان حتى اتسعت دائرتها، و خالطت الحواس و الشواعر، و جاوزت الإبانة عن الدين إلى الإبانة عن الدنيا، فأصبحت لغة دين و دنيا معا، و جاء دور القلم و التدوين فدوّنت بها علوم الإسلام و آدابه و فلسفته و روحانياته، و عرف البربر على طريقها ما لم يكونوا يعرفون، و سعت إليها حكمة يونان، تستجديها البيان و تستعديها على الزمان، فأجدت و أعدت، و طار إلى البربر منها قبس لم تكن لتطيره لغة الرومان، و زاحمت البربرية على ألسنة البربر فغلبت و برزت و سلطت سحرها على النفوس البربرية و فأحالتها عربية، كل ذلك باختيار لا أثر فيه للجبر، و اقتناع لا يد فيه للقهر، و ديموقراطية لا شبح فيها للاستعمار. و كذب و فجر كل من يسمي الفتح الإسلامي استعمارا. و إنما هو راحة من الهم الناصب، و رحمة من العذاب الواصب، و إنصاف للبربر من الجور الروماني البغيض.
من قال بأن البربر دخلوا الإسلام طوعا فقد لزمه القول بأنهم قبلوا العربية طوعا، لأنهما شيئان متلازمان حقيقة و واقعا، لا يمكن الفصل بينهما، و محاولة الفصل بينهما كمحاولة الفصل بين الفرقدين. و من شهد أن البربرية ما زالت قائمة الذات في بعض الجهات، فقد شهد للعربية بحسن الجوار، و شهد للإسلام بالعدل و الإحسان. إذ لو كان الإسلام دين الجبرية و تسلط لمحا البربرية في بعض قرن فإن تسامح ففي قرن.
إذا رضي البربري لنفسه الإسلام طوعا بلا إكراه، و رضي للسانه العربية عفوا بلا استكراه، فأضيع شيء ما تقول العواذل، و اللغة البربرية إذا تنازلت عن موضعها من ألسنة ذويها للعربية لأنها لسان العلم و آلة المصلحة، فإن كل ما يزعمه التاريخ بعد ذلك فضول.
إن العربي الفاتح لهذا الوطن جاء بالإسلام و معه العدل، و جاء بالعربية و معها العلم. فالعدل هو الذي أخضع البربر للعرب، ولكن خضوع الأخوة، لا خضوع القوة، و تسليم الاحترام، لا تسليم الاجترام. و العلم هو الذي طوع البربرية للعربية، و لكنه تطويع البهرج للجيدة، لا طاعة الأمة للسيدة لتلك الروحانية في الإسلام، و لذلك الجمال في اللغة العربية، أصبح الإسلام في عهد قريب صبغة الوطن التي لا تنصل و لا تحول، و أصبحت العربية عقيلة حرة، ليس لها بهذا الوطن ضرة.
ما هذه النغمة الناشزة التي تصك الأسماع حينا بعد حين، و التي لا تظهر إلا في نوبات من جنون الاستعمار ؟ ما هذه النغمة السمجة التي ارتفعت قبل سنين في راديو الجزائر بإذاعة الأغاني القبائلية، و إذاعة الأخبار باللسان القبائلي، ثم ارتفعت قبل أسابيع من قاعة المجلس الجزائري بلزوم مترجم للقبائلية في مقابلة مترجم للعربية ؟
أكل هذا إنصاف للقبائلية و إكرام لأهلها و اعتراف بحقها في الحياة و بأصالتها في الوطن ؟ كلا، إنه تدجيل سياسي على طائفة من هذه الأمة، و مكر استعماري بطائفة أخرى، و تفرقة شنيعة بينهما و سخرية عميقة بهما. إن هاتين النغمتين و ما جرى مجراهما هي حداء الاستعمار بالقوافل السائرة على غير هدى لتزداد إمعانا في الفيافي الطامسة، فحذار أن يطرب لها أحد. و إن النغمتين من آلة واحدة مشوشة الدساتين مضطربة الأوتار، و مغزاهما واحد، و هو إسكات نغمة أخرى تنطق بالحق و تقول أن هذا الوطن عربي، فيجب أن تكون لغته العربية رسمية، فجاءت تلك النغمات الشاذة ردا على هذه النغمة المطردة و نقضا لها و تشويشا عليها، و لتلقى في الأذهان بأن هذا الوطن مجموع أجناس و لغات لا ترجح إحداهن على الأخرى، فلا تستحق إحداهن أن تكون رسمية.
لا يوجد قبائلي يسكن الحواضر إلا و هو يفهم عن الفرنسية. و لا يوجد في القبائل، القرى – القرى و هم السواد الأعظم – إلا قليل ممن لا يحسن إلا القبائلية. و لكن ذلك السواد الأعظم لا يملك جهاز راديو واحدا لأنهم محرومون من نور الكهرباء كما هم محرومون من نور العلم، و كل ذلك من فضل الاستعمار عليهم. فما معنى التدجيل على القبائل بلغتهم ؟ و لا يوجد عضو قبائلي في المجلس الجزائري إلا و هو يحسن الفرنسية، فما معنى اقتراح مترجم للقبائلية ؟
أمّا نحن فقد فهمنا المعنى. و أمّا الحقيقة فهي أن الوطن عربي و أن القبائل مسلمون و عرب، كتابهم القرآن يقرءونه بالعربية، و يكتبونه بالعربية؛ و لا يرضون بدينهم و لا بلغته بديلا، و لكن الظالمين لا يعقلون.


  النبي محمد رجل القومية العربية



الشيخ عبد الحميد بن باديس
لا يستطيع أن ينفع الناس من أهمل أمر نفسه. فعناية المرء بنفسه – عقلا وروحا وبدنا – لازمة له ليكون ذا أثر نافع في الناس على منازلهم منه في القرب والبعد، ومثل هذا كل شعب من شعوب البشر لا يستطيع أن ينفع البشرية ما دام مهملا مشتتا لا يهديه علم، ولا يمتنه خلق، ولا يجمعه شعور بنفسه ولا بمقومات ولا بروابطه.
وإنما ينفع المجتمع الإنساني ويؤثر في سيره من كان من الشعوب قد شعر بنفسه فنظر إلى ماضيه وحاله ومستقبله، فأخذ الأصول الثابتة من الماضي، وأصلح شأنه في الحال، ومد يده لبناء المستقبل يتناول من زمنه وأمم عصره ما يصلح لبنائه معرضا عما لا حاجة له به أو ما لا يناسب شكل بنائه الذي وضعه على مقتضى ذوقه ومصلحته.
فمحمد – صلى الله عليه وسلم – وهو رسول الإنسانية كانت أو عنايته موجهة إلى قومه، وكانت دعوته على ترتيب حكيم بديع لا يمكن أن يتم إصلاح إنسانيا أو شعبيا إلا بمراعاته فكان " أول دعوته – صلى الله عليه وسلم – لعشيرته، لقوله تعالى : « وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ » فلما نزلت صعد الصفا ثم ندى "يا صباحاه" وكانت دعوة الجاهلية إذا دعاها اجتمعت إليه عاشيراته – فاجتمعت إليه قريش عن بكرة أبيها، فعم وخص فقال : "أرأيتكم لو أخبرتكم أن العدو مصبحكم أكنتم مصدقي". قالوا ما جربنا عليك كذبا. قال : "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. يا بني كعب بن لؤي، يا بني مرة بن لؤي، يا آل عبد شمس، يا آل عبد مناف، يا آل هاشم، يا آل عبد المطلب، يا صفية، يا فاطمة، سلوني من مالي ما شئتم وأعلموا أنا أوليائي يوم القيامة المتقون، فإن تكونوا يوم القيامة مع قرابتكم فذلك وأياي، لا يأتي الناس بالأعمال وتأتون بالدنيا تحملونها على أعناقكم فأصد بوجهي عنكم فتقولون يا محمد فأقول هكذا – وصرف وجهه إلى الشق الآخر – غير أن لكم رحما سأبلها ببلالها...- ثم وجه دعوته إلى بقية العرب في مواسم الحج وما يتصل بها من أسواقهم، ثم عمم دعوته لقوله تعالى : « لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ »، فكاتب ملوك الأمم وقد عمت دعوته العرب وتهيأ أمرهم لعموم دخولهم في الإسلام، وكان ذلك أيام هدنته مه قريش قبيل فتح مكة. ثم تجد أكثر السور المكية قد وجه فيها الخطاب إلى قريش، وإلى العرب، وعولجت فيها مفاسدهم الاجتماعية وضلالاتهم الشركية، وما كان منهم من تحريف وتبديل لملة إبراهيم، فكان أول الإصلاح متوجها إليهم ومعنيا بهم حتى ينتشلوا من وهدة جهلهم وضلالهم وسوء حالهم وتستنير عقولهم وتتطهر نفوسهم وتستقيم أعمالهم فيصلحوا لتبليغ دين الله وهدى رسوله – صلى الله عليه وآله وسلم – للأمم بالقول والعمل. ثم لأجل أن يشعروا بأن القرآن هو كتاب هداية لهم كلهم، وأن الرسول لهم كلهم، أنزل القرآن على سبعة أحرفا، فعم جميع لهجاتهم، وكان النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – يخاطبهم بتلك اللهجات وينطق بالكلمات منها ليس من لهجة قريش، وكان في هذا ما أشعرهم بوحدتهم بالتفافهم حول مركز واحد ينتهون كلهم إليه ويشتركون فيه.

وقد نبه على هذا المعنى قوله تعالى : « وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلوُنَ » فأخبره أن القرآن شرف له ولقومه – نول بلغتهم ونهض بهم من كبوتهم وأخرجهم من الظلمات إلى النور، وهيأهم لهدية الأمم وإنقاذها من الهلاك، وقيادتها لعزها وسعادتها – وإنهم يسألون عن هذه النعمة. يقول هذا ليعملوا بالقرآن ويعلموا أن شرفه إنما هو للعالمين.
على أن العرب رشحوا لهدية الأمم التي تدين بالإسلام، وتقبل هدايته، ستتكلم بلسان الإسلام، وهو لسان العرب فينمو عدد الأمة العربية بنمو عدد من يتكلمون لغتها، ويهتدون مثلها بهدى الإسلام. علم هذا فبين أن من تكلم بلسان العرب فهو عربي وإن لم ينحدر من سلالة العرب، فكان ذلك من عنايته بهم لتكثير عددهم لينهضوا بما رشحوا له. بين هذا في حديث رواه بن عساكر في تاريخ بغداد بسنده عن مالك الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال : "جاء قيس بن مطاطية إلى حلقة فيها سلمان الفارسي، وصهيب الرومي، وبلال الحبشي، فقال : هذا الأوس والخزرج قد قاموا بنصرة هذا الرجل – يعني النبي صلى الله عليه وسلم – فما بال هذا – يعني الفارسي والرومي والحبشي ما يدعهم إلى نصره وهم ليسوا عربا مثل قومه – فقام إليه معاذ بن جبل – رضي الله عنه – فأخذه بتلابيبه (يعني ما على نحره من الثياب) ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بمقالته، فقام النبي صلى الله عليه وسلم – مغضبا يجر ردائه لما أعجله من الغضب حتى أتى المسجد تم نادى : "الصلاة جامعة" (ليجتمع الناس)، وقال صلى الله عليه وسلم : "أيها الناس، الرب واحد، والأب واحد، وأن الدين واحد، وليس العربية بأحدكم من أب ولا أم، وإنما هي اللسان، فمن تكلم بالعربية فهو عربي"، فقام معاذ فقال : فما تأمرني بهذا المنافق يا رسول الله ؟ قال : "دعه إلى النار" فكان قيس ممن إرتد في الردة فقتل.
تكاد لا تخلص أمة من الأمم لعرق واحد، وتكاد لا تكون أمة من الأمم لا تتكلم بلسان واحد، فليس الذي يكون الأمة ويربط أجزاءها ويوحد شعورها ويوجهها إلى غايتها هو هبوبها من سلالة واحدة، وإنما الذي يفعل ذلك هو تكلمها بلسان واحد : ولو وضعت أخوين شقيقين يتكلم كل واحد منهما بلسان وشهدت ما بينهما من اختلاف نظر وتباين قصد وتباعد تفكير، ثم وضعت شاميا وجزائريا – مثلا – ينطقان باللسان العربي ورأيت ما بينهما من اتحاد وتقارب في ذلك كله، لو فعلت هذا لأدركت بالمشاهدة الفرق العظيم بين الدم واللغة في توحيد الأمم.
فانظر بعد هذا إلى ما قرره هذا النبي الكريم، رسول الإنسانية، ورجل القومية العربية، في الحديث المتقدم، فقضى بكلمته تلك على العصبية العنصرية الضيقة المفرقة، فنبه على تساوي البشر في أنهم كلهم مخلوقون لله، فربهم واحد، وإنهم كلهم من عنصر واحد فأبوهم آدم واحد، وذكر بأخوة دين الإسلام دين الأخوة البشرية والتسامح الإنساني، ثم قرر قاعدة عظمى من قواعد العمران والاجتماع في تكوين الأمم، ووضع للأمة العربية قانونا دينيا اجتماعيا طبيعيا لتتسع دائرتها لجميع الأمم التي رشحت لدعوتهم إلى الإسلام بلغة الإسلام. وقد كان ذلك من أعظم ما سهل نشر الهدايا الإسلامية وتقارب عناصر البشرية وامتزاجها بعضها ببعض حتى كان تمرة اتحادها وتعاونها ذلك التمدن الإسلامي العربي الذي أنار العالم شرقا وغربا، وكان السبب في نهضة الغرب والأساس لمدنية اليوم. وبذلك أيضا كانت الأمة العربية اليوم تجاوز السبعين مليونا عدا لا تخلو منهم قارة من قارات المعمورة.
كون رسول الإنسانية ورجل القومية العربية أمته هذا التكوين المحكم العظيم ووجهها لتقوم للإسلام والبشرية بذلك العمل الجليل. فلم يكونها لتستولي على الأمم، ولكن لتنقذهم من سلطة المسؤولين باسم الملك أو باسم الدين. ولم يكونها لتستخدم الأمم في مصالحها، ولكن لتخدم الأمم في مصالحهم. ولم يكوها لتدوس كرامة الأمم وشرفها ولكن لتنهض بهم من دركات الجهل والذل والفساد، إلى درجات العز والصلاح والكرامة. وبالجملة : لم يكونهم لأنفسهم بل كونهم للبشرية جمعاء. فبحق قال فيهم الفيلسوف العظيم غوستاف لوبون : " لم يعرف التاريخ فاتحا أرحم من العرب"، نعم لأنهم فتحوا فتح هداية لا فتح استعمار، وجاءوا دعاة سعادة لا طغاة استعباد.
هذا هو رسول الإنسانية ورجل القومية العربية الذي كان له الفضل – بإذن الله – عليها، ويشهد المنصفون من غير العرب وغير المسلمين له بهذا الفضل، ويتغنى العرب غير المسلمين بكره. وكم دبحت أقلام الكتاب والشعراء من إخواننا نصارى العرب بالشرق من حلل البيان في الثناء عليه والإشادة بفضله.
هذا هو رسول الإنسانية ورجل الأمة العربية الذي نهتدي بهديه ونخدم القومية العربية خدمته، وتوجهها توجيهه، ونحيا ونموت عليها، وإن جهل الجاهلون... وخدع المخادعون... واضطرب المضطربون...
وإلى عتاب الكريمة نتقدم بهذه الكلمة في مولده الشريف الذي هو عيد الإسلام والعروبة والإنسانية كلها، عاد الله فيه باللطف والرحمة على الجميع.

* عن الشهاب : ج3 م12، غرة ربيع الأول 1355 هـ/جوان 1936 م.